وَحَبَّبَ لِلنَّاسِ أَوْطَانَهُمْ
آخر تحديث GMT 08:54:07
 فلسطين اليوم -

وَحَبَّبَ لِلنَّاسِ أَوْطَانَهُمْ

 فلسطين اليوم -

وَحَبَّبَ لِلنَّاسِ أَوْطَانَهُمْ

بقلم : تركي الدخيل

وَمِنْ حِكمَةِ اللهِ تَعَالَى أَنْ حَبَبَّ أَوْطَانَ النَّاسِ إلَيْهِمْ، فَيَمْتَلِئُ فُؤَادُ كُلّ امْرِئٍ بِعِشْقِ وَطَنِهِ هُوَ، حَيْثُ قَضَى ذِكْرَيَاتِ الصِّبَا، وَمَرَاتِعَ الشَّبَابِ، وَمَلَاعِبَ النَّشْأةِ، وَقِصَصَ البِدَايَاتِ.

وَمِنْ لُطْفِهِ سُبْحَانَهُ، أنَّه لمْ يَجْعَلْ خَلقَهُ يَتَّفِقُونَ علَى تَفضِيلِ مَكَانٍ وَاحدٍ، فَهمْ لَوِ اجتمَعُوا عَلَى رَأيٍ وَاحِدٍ، فِي تَفضِيلِ مَكَانٍ وَمَحَبَّتِهِ، سَيَقتَتلُونَ عَلَيهِ، مِنْ دونِ شَكٍّ وَبِلَا رَيْبٍ.

وَأجمَلُ مَنْ عَبَّرَ عَنِ المَعْنَى السَّابِقِ شِعْراً، ابنُ الرُّومِي، فِي أَبيَاتٍ يُقَالُ إنَّهَا أوَّلُ مَا اشْتمَلَ عَلَى ذِكْر الوَطَنِ فِي الشّعْرِ، إذْ قَالَ:

وَحَبَّبَ أَوطَانَ الرِجَالِ إِلَيْهِمُ

مَآَرِبُ قَضَّاهَا الشَّبَابُ هُنَالِكَا

إِذَا ذَكَـرُوا أَوطَانَهُمْ ذَكَّـرَتْـهُمُ

عُهُودَ الصِّبَا فِيهَا فَحَنُّوا لِذَلِكَا

وَقَبْلَ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ قَالَ:

وَلِـي وَطَـنٌ آلـيـتُ ألَّا أَبِـيـعَـهُ

وَأَلَّا أَرَى غَـيْـرِي لَهُ الدَّهرُ مَالِكَا

عَهِدتُ بِهِ شَرْخَ الشَّبَابِ مُنَعَّماً

كَنِعْمَةِ قَوْمٍ أَصبَحوا في ظِلَالِكَا

فَقَدْ أَلِفَتْهُ النَّـفْسُ حَتَّى كَأَنَّـهُ

لَهَا جَسَدٌ إِنْ بَانَ غُوْدِرْتُ هَالِكَا

(مآرِبُ): غَاياتٌ وحَاجَاتٌ. (آلَيْتُ): أقْسَمْتُ. (شَرْخُ الشَّبابِ): بِدَايَاتُهُ.

(إنْ بَانَ): إذَا ذَهَبَ. (غُودِرتُ): تُرِكتُ.

أَرَادَ الشَّاعِرُ بقولِه «وَطَن»: دارَهُ ومَنزلَهُ وَبيتَهُ، وذَلكَ قبلَ أنْ يَتَشَكَّلَ مَفهُومُ الوَطَنِ بِالمَعنَى الذِي هوَ عَليهِ الآنَ.

واسْتخدَامُ أبْياتِ ابْنِ الرُّومِي لِلدلَالَةِ عَلَى مَعْنَى الوَطَنِ الكَبِير، الّذِي يُقْصَدُ بِكلمَةِ «الوَطَن» اليَومَ، صَحِيحٌ تَمَاماً، وَالأبْياتُ تُؤَدّي المَعْنَى ذَاتَهُ، فِي مَا عَنَاهُ الشَّاعِرُ بـِ«الوَطَن»، وَمَا يَعنِيهِ مَنْ يَستَدِلُّ بِهَا قَاصِداً «الوَطَنَ» الجَامِعَ. وَهذَا الحَنِينُ لِلوَطَنِ هُوَ الَّذِي حَدَثَ مَعْ مَيْسُونَ بِنْتِ بحدَل الكَلبِيَّةِ، عِندَمَا قَالَتْ:

وَلبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَينِي

أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

والمَعْنَى: ولبسُ عَباءةٍ وَأَنْ تَقَرَّ عَينِي أحَبُّ إليَّ من لبسِ الشّفوف: وَهوَ الرَّقيقُ النَّاعِمُ مِنَ الثّيَابِ، الذي يشُفُّ عَنِ الجَسَدِ.

قَالَ الدَّمِيرِي فِي «حَياةُ الحَيَوانِ الكُبرَى»:

«لمَّا اتصلتْ مَيسونُ بنتُ بحدلٍ الكَلبيَّةُ، أمُّ يزيدَ بنِ مُعاويةَ بمعاويةَ، وَكانتْ ذاتَ جمالٍ بَاهرٍ، وَحُسنٍ غَامرٍ، أُعجبَ بِهَا مُعاويةُ، رَضيَ اللهُ عَنه، وَهيَّأ لهَا قَصراً مُشْرفاً علَى الغُوطة، وَزيَّنهُ بأنواعِ الزَّخارفِ، ووضعَ فيه ما هوَ لائقٌ بهِ، ثمَّ أسكنَها، معَ وَصائفَ لهَا، كأمثالِ الحُورِ العِين، فَلبسَتْ يوماً أفخرَ ثيابِهَا، وَتزيَّنتْ وَتَطَيَّبتْ بمَا أُعِدَّ لهَا، منَ الحُليّ والجَوهَرِ، الّذِي لَا يُوجدُ مثلُهُ، ثمَّ جَلسَتْ فِي رَوْشَنِهَا، فَنظَرتْ إلَى الغُوطةِ وأشْجارِهَا، وَسَمعَتْ تجَاوُبَ الطَّيرِ في أوْكَارِهَا، وَشَمَّتْ نَسيمَ الأزْهَارِ، فَتذكَّرتْ نَجداً، وَحَنَّتْ إلَى أتْرابِهَا وَأُنَاسِهَا، وَتذكَّرتْ مسقطَ رأسِهَا، فَبكَتْ وَتَنهَّدَتْ، فَقَالَتْ لهَا بَعضُ حَظايَاهَا: مَا يُبكيكِ وَأنتِ فِي مُلكٍ يُضَاهِي مُلكِ بَلقيس؟

فَتَنَفَّسَتِ الصُّعَدَاءَ، ثُمَّ أَنْشَدَتْ:

لَبَيْتٌ تَخْفُقُ الأَرْوَاحُ فِيهِ

أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَصْرٍ مُنِيفِ

وَكَلبٌ يَنْبَحُ الطُرَّاقَ عَنِّي

أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِطٍّ أُلُوفِ

وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَينِي

أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

وَأَكْلُ كُسَـيْرَةٍ فِي كَسْرِ بَيْتِي

أَحَبُّ إِلَيَّ منْ أكلِ الرَّغِيفِ

خُشُونُةُ عَيشَتِي فِي البَدْوِ أَشْهَى

إِلَى نَفسِي مِنْ الْعَيْشِ الظَّرِيفِ

فَمَا أَبـْغِي سِوَى وَطنِي بدِيلاً

وَحَسْبِي ذَاكَ مِنْ وَطَرٍ شَرِيفِ

فَلَمَّا عَلِمَ معاويةُ، قالَ: هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثاً، مُرُوها فلتَأخذْ جَميعَ مَا فِي القَصْرِ، فَهوَ لَهَا. ثمَّ سَيَّرَها إلَى أهْلِهَا بِنجَد. وَكَانَتْ حَامِلاً بِيزيدَ فَوَلدتْهُ بِالبَادِيةِ، وَأرْضَعتْهُ سَنتين، ثمَّ أَخَذَهُ مُعَاوِيةُ مِنْهَا بَعدَ ذَلكَ».

وَمِنْ أَرَقِّ الشِّعرِ وَأجْمَلِه، مَا شَرحَ كَيفَ تَفقِدُ أعْضَاءُ الجِسْمِ الوَطَنَ، فِي قَوْلِ خَيرِ الدّينِ الزَّركَلِي:

العَيْنُ بَعْدَ فِرَاقِهَا الوَطَنَا

لَا سَاكِناً أَلِفَتْ وَلَا سَكَنَا

رَيَّانَةٌ بِالدَّمْعِ أَقْلَقَهَا

أَلَّا تُحِسَّ كَرًى وَلَا وَسَنَا

كَانَتْ تَرَى فِي كُلِّ سَانِحَةٍ

حُسْنًا وَبَاتَتْ لَا تَرَى حَسَنَا

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وَحَبَّبَ لِلنَّاسِ أَوْطَانَهُمْ وَحَبَّبَ لِلنَّاسِ أَوْطَانَهُمْ



GMT 08:02 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

غزة امتحان لترامب

GMT 07:59 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

قلّة عددهم

GMT 07:56 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

«الهلالُ» الذي «صبّح» إنجلترا

GMT 07:55 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

«ألغام» في طريق هدنة غزة

GMT 07:53 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

مجتمع دير المدينة

GMT 07:51 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

الغباء البشري

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 08:30 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"العقرب" في كانون الأول 2019

GMT 08:05 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 14:01 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 10:29 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

تكتشف اليوم خيوط مؤامرة تحاك ضدك في العمل

GMT 02:41 2025 الخميس ,15 أيار / مايو

حظك اليوم برج الثور الخميس 15 مايو/ أيار 2025

GMT 11:57 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 07:42 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

تحتاج إلى الانتهاء من العديد من الأمور اليوم

GMT 09:10 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

فساتين زفاف إسبانية لعروس 2021 تعرف عليها
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday