مِنْ أعْمَاقِ الصَّحرَاءِ خَرَجَتْ لَآلئُ اللُّغة
آخر تحديث GMT 05:09:24
 فلسطين اليوم -

مِنْ أعْمَاقِ الصَّحرَاءِ خَرَجَتْ لَآلئُ اللُّغة

 فلسطين اليوم -

مِنْ أعْمَاقِ الصَّحرَاءِ خَرَجَتْ لَآلئُ اللُّغة

بقلم : تركي الدخيل

في تلكَ الصَّحارَى المُمتدَّةِ عَلَى مَرمَى البَصَرِ بِطقْسِهَا وَتَضَارِيسِهَا الشَّاقَّينِ يَستغربُ المَرءُ كَيفَ اسْتطَاعَ نَاسُ هَذه الأَرْضِ أنْ يُنشئُوا لُغةً عَظيمةً بِعلُومٍ مُتعدّدةٍ مِنْ أدَبٍ وَشِعْرٍ ونَحوٍ وَصرفٍ وَبَلاغَةٍ تَبْهَرُ الألبَابَ.

ومع أنَّ الكتابةَ والقراءةَ لم تكونَا منتشرتيْن بينَ العرب، حتى بُعَيْد مجيء الإسْلَام، فإنَّهما لم تمنعَا العربيَّ من الإبداع في لُغتِه وبهَا، بل لم تمثّلا بالنّسبةِ إليه الوَسيلةَ الوَحيدةَ للتعبير عن خوالجِ نفسِه، وتدبيرِ أفكارِه ومَعَارفِه وثَقافتِه.

لقد كانَ قادةُ الفكرِ في المُجتمعِ العربيّ آنذاك، يَصُوغونَ أفكارَهم باقتدارٍ، مع أنَّ جلَّهم، لم يكن يحسنُ القراءةَ والكتابة.

ويبدو أنَّ المجتمعاتِ العربيةَ لم تكن تواجهُ أيَّ حاجةٍ حقيقيةٍ لوفرةِ من يقرأ ويكتبُ، ولمَّا لم تبرز هذه الحاجةُ، لم يجدِ العربُ أنفسَهم مضطرينَ إلى معرفةِ ما لا يحتاجونَ إليه، حاجةً حقيقية في حياتِهم اليومية.

فأهميةُ اللغةِ العربيةِ لا تنبعُ من محبَّةِ أبنائِها لهَا فحسب، فهذا دافعٌ يفرضُه الانتماءُ وتُلزِمُهُ الهُويَّة، وهو من المُشتركاتِ التي يتوافقُ عليها البشرُ كلُّهم، وإنّما الأمرُ عائدٌ أيضاً إلى تلكَ السياقاتِ التاريخيةِ التي تخلّقت فيها العَربيّة، وحَتَّمَت عليهَا أن تكونَ لغةً ثريةً، بل غاية ما تكونُ عليهِ اللغاتُ من ثراءٍ معنًى ومبنًى.

ولعلَّ من نافلةِ القولِ، الإشارةَ إلى ما كانَ عليه العَربُ من فقرٍ في الحَضَارةِ المَاديَّة، قبلَ ظهورِِ الإسْلَام، إذ كانتِ الجَزيرةُ العربيةُ تعاني قسوةً المناخِ في مناطقِها وأغلبِ تضَاريسِها، وهو ما فرضَ ذاك الفقرَ الحضاريَّ المادي، في مجالات البِناءِ والعمارةِ والتَّشييدِ والابتكار، نَاهيكَ عن نُدرةِ المناخِ الخلَّاب، والطَّقسِ المُعتَدل، والأرْضِ السَّهلةِ الخِصْبة، وتوفّر المَاءِ في الوَاحاتِ، والبُحيراتِ والأنْهارِ والجَدَاولِ، كما هي الحَال في تضاريس أغْلَبِ المَناطقِ التي تَسكنُها الشُّعوبُ.

وأمامَ نُدرةِ عناصرِ الإبداعِ الواقعيّ العامّ، مَالتْ كفّةُ الخَلقِ والابتكار صَوبَ عَناصرِ اللغَة: أصْواتِها وإيقاعِها وبلاغتِها، فكانتْ فضاءَ العربيِّ، الذي صَنعَ فيه حَضَارتَه، وتميّز بهَا.

وفي مقابلِ ذلك، حَضرَ الشّعرُ بوصفِه الفنَّ الرئيسَ من فنونِ اللغَةِ عندَ العَرَب، وعلمَهم الَّذِي لم يكنْ لهمْ علمٌ أصَحُّ منه، علَى حدّ قولِ عمرَ بنِ الخطَّاب، رَضيَ اللهُ عنه. كَانَ حُضورُه طاغياً بينَهم، وبهِ كَانوا يُوثِّقون أيامَهم، وأحداثَهم، وحروبَهم، ومعاركَهم، وبالشّعرِ كانُوا يفخرونَ ويتفاخرونَ على بعضِهم بعضاً، وبهِ كانُوا يَمدحونَ بعضَهم، وبه يتهَاجونَ أيضاً.

كانَ الشّعرُ يُلبّي كلَّ حاجاتِهم الرَّئيسيةِ والفَرعيَّة، ولكَ أن تتخيَّلَ كيفَ كانَ هؤلاءِ يحترمُونَ ويقدّرون الشَّاعرَ المجيدَ، وكيفَ ستكونُ منزلةُ الشَّاعرِ الفَحلِ في قبيلتِه وبين قومِه.

هذه المنزلةُ الرفيعةُ للشَّاعر، كانت تحفّز كلَّ عربيّ على بذلِ كلّ ما يَستطيعُ من جهدٍ، لعلَّه يكونُ شاعراً مفلّقاً، يُشار إليهِ بالبَنان، ويُلجأ إليه في الملمَّات.

وإلى جانبِ الشّعر، وبهِ، حَضرتِ الخطابةُ، بوصفِها فنّاً من فنونِ اللغة، فهي الوسيلةُ الإعلاميةُ الرئيسية، التي يمكنُ عبرَها إيصالُ الأفكارِ إلى النَّاس، وكانَ إقناعُ المستمعين يستلزم توافرَ الخطيبِ علَى أساليبَ بديعيةٍ تجذبُ الانتباه، بل تسلبُ الألبابَ، فإذا سلبَ الخطيبُ لبَّ المستمع، باتَ إيصالُ الأفكارِ إليه والتأثيرُ فيه وتغييرُ آرائِه أموراً سهلةً، لا تحتاجُ إلى مزيدٍ من العناءٍ والتكلّفٍ.

وفي الشّعرِ والخطابةِ، تنافسَ كلُّ من تمكَّنَ في هذين الفنين، على أن يبتكرَ في منتجِه داخلَ الفن ما يكون، من حيث القوة والسلاسة والإيجاز والإعجاز، سبباً في سهولةِ حفظِه، ويُسر نقلِه، من شخصٍ إلى آخر، حتى يكونَ انتشارُه بين النَّاسِ سريعاً، وسيرُه في الآفاق عَدْواً وركضاً، لا سيراً مجرَّداً.

وهذا يعني أنَّ المبدعينَ العَربَ القُدامَى، من الشُّعراءِ والخطباء، كانوا آنذاك، يتنافسونَ على ما يُسمّى اليوم، بلغة السوشيال ميديا (الترند)، وهو الموضوعُ الأكثرُ انتشاراً... ولكنْ بمقاييسِ عَصرِهم وآلياتِ زمانِهم. ولك أنْ تتخيَّلَ أنَّ معيارَ النبوغ عندَ العَربِ المتقدِّمين كانَ القدرةَ على نظمِ الشّعر المميَّز في عمرٍ متأخّر، لمنْ لم يقلْ شعراً في بواكيرِ شبابِه!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مِنْ أعْمَاقِ الصَّحرَاءِ خَرَجَتْ لَآلئُ اللُّغة مِنْ أعْمَاقِ الصَّحرَاءِ خَرَجَتْ لَآلئُ اللُّغة



GMT 03:02 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

درءاً لرياح السوء

GMT 03:00 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

نكتة الموسم… وساطة إيرانية في اليمن

GMT 03:00 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

يتدخلون في رحمة الله.. ما أبشعهم !

GMT 02:58 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ماذا تعني فرنسا للمصريين؟

GMT 02:56 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

دعوة جميلة من الأزهر... لكن العقبة إيران

GMT 02:54 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

هوبز وفيبر أم نوّاف الموسوي؟

GMT 02:53 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ثلاثة انتخابات عجيبة

GMT 02:51 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

العراق والسعي نحو استقرار المنطقة

الأسود يحافظ على مكانته والفخامة ترافق الحاضرات في الجونة

القاهرة ـ فلسطين اليوم
واصلت نجمات الفن والسينما منافسة الأناقة في ثاني أيام فعاليات مهرجان الجونة السينمائي عام 2026 حيث برزت إطلالات سهرة راقية وأخرى صباحية ناعمة بين السجادة الحمراء والجلسات الحوارية واستمر اللون الأسود في فرض سيطرته على اختيارات النجمات ليعكس الفخامة والرقي إلى جانب ظهور لافت للألوان النارية والأزرق الشاحب والأبيض. بدت النجمة يسرا في كامل أناقتها بثوب أسود طويل للقماش المجعد من تصميم ليث معلوف بفتحة V Neck وأكمام قصيرة بارزة الأكتاف مع فتحة أمامية عالية ونسقت معه بروشا ذهبيا كبيرا وقفازا جلديا وجوارب دانتيل بينما خطفت إلهام شاهين الأنظار بجمبسوت أسود بأرجل واسعة وأكمام مفتوحة تنسدل كالأوشحة مع ياقة كريستالية عالية مطرزة وتألقت أمينة خليل بطقم دانتيل أسود مزين بالورود ومبطن بالقماش الأحمر يتكون من كورسيه بياقة هالتر وتنورة مÙ...المزيد

GMT 04:51 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

نتنياهو يتهم أردوغان بالسعي لإعادة الحكم العثماني إلى القدس
 فلسطين اليوم - نتنياهو يتهم أردوغان بالسعي لإعادة الحكم العثماني إلى القدس

GMT 10:33 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

الحب على موعد مميز معك

GMT 06:50 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

لا تتهوّر في اتخاذ قرار أو توقيع عقد

GMT 07:13 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الثور" في كانون الأول 2019

GMT 04:30 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 04:39 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 06:51 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الحمل" في كانون الأول 2019

GMT 06:42 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

كن قوي العزيمة ولا تضعف أمام المغريات

GMT 08:01 2025 الإثنين ,02 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الدلو 02 يونيو / حزيران 2025

GMT 02:38 2025 الخميس ,15 أيار / مايو

حظك اليوم برج الحمل الخميس 15 مايو/ أيار 2025

GMT 14:47 2015 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

استخدام فقاقيع مياه باردة لمكافحة جميع الميكروبات

GMT 13:50 2017 الأربعاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

بدء السباق السادس للخيل بمشاركة 62 جوادًا في نادي راشد

GMT 08:18 2015 الإثنين ,28 كانون الأول / ديسمبر

قضية فرخندة مالك زادة مستمرة في تعرية ظلم القضاء الأفغاني

GMT 02:09 2015 الثلاثاء ,15 كانون الأول / ديسمبر

نعمان يعرض فساتين السهرة بالأزرق الملكي لاحتفالات موسم 2016
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday