بقلم : خالد منتصر
مُدّ يديك أمامك وتأملهما، اليمنى تشبه اليسرى حقاً، لكنك لن تستطيع ارتداء قفاز اليمنى في يدك اليسرى. هذا الاختلاف البسيط يفتح باب فهم «نوبل الكيمياء» لعام 2026، التي مُنحت للفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواى، عن اكتشافات تشرح كيف تستطيع الكيمياء تفضيل صورة معينة من الجزىء على صورتها المعكوسة.
بعض الجزيئات تشبه أيدينا؛ تتكون من الذرات نفسها، لكنها تأتي في صورتين متعاكستين، كأن إحداهما تنظر إلى الأخرى في مرآة. وقد يبدو الفرق شكلياً، لكنه داخل الجسم قد يصنع اختلافاً كبيراً. فالمستقبلات والإنزيمات تتعرف على الشكل، ولذلك قد تكون إحدى الصورتين أكثر فاعلية دوائية، بينما تكون الأخرى أقل فاعلية أو مختلفة التأثير، تخيَّل قفلاً يحتاج مفتاحاً محدداً؛ امتلاك المعادن نفسها لا يكفي، فترتيب أسنان المفتاح هو الذي يسمح بفتح الباب، لهذا يسعى الكيميائيون إلى إنتاج الصورة المطلوبة بدقة، هنا تأتي الفكرة الأولى: «التأثير غير الخطى»، والمقصود أن النتيجة لا تتناسب دائماً مع نقطة البداية. فالمحفِّز، وهو مادة تساعد التفاعل وتوجِّهه، قد يحمل انحيازاً محدوداً نحو صورة جزيئية، لكن الناتج يُظهر انحيازاً أكبر بكثير، وللتوضيح بمثال افتراضي: إذا احتوى خليط المحفِّز على ستين بالمائة من صورة، وأربعين بالمائة من عكسها، فقد ينتج التفاعل تسعين بالمائة من الصورة المفضلة. هذه أرقام توضيحية، لكن معناها أن أفضلية صغيرة يمكن تضخيمها، مثل كرة ثلج تبدأ صغيرة ثم تكبر.
أما الفكرة الثانية، «التحفيز الذاتي»، فتعني أن ناتج التفاعل يساعد على إنتاج المزيد من نفسه. تخيَّل مصنعاً يصنع عمالاً، وكل عامل جديد ينضم إلى زملائه لزيادة الإنتاج! وبالطبع، يحتاج هذا المصنع الكيميائي إلى مواد خام؛ فلا شيء يظهر من العدم، في تفاعل سواى، تساعد الصورة المتكوِّنة على تصنيع المزيد من صورتها، ومع تضخيم الانحياز قد تتحول أفضلية ضئيلة في البداية إلى سيادة شبه كاملة لاتجاه واحد، وهذا يمنحنا وسيلة لفهم سؤال من أسئلة الحياة الكبرى: كيف أصبحت جزيئات حيوية كثيرة ذات اتجاه محدد، رغم إمكان وجود صورتين متعاكستين؟ التجارب تبيِّن آلية ممكنة، لكنها لا تثبت وحدها كيف حدث ذلك على الأرض القديمة، قيمة الاكتشاف أنه يجمع بين منفعة عملية في صناعة الدواء وفضول إنساني حول بدايات الحياة. ففي عالم الجزيئات، قد يبدأ الاختلاف همسة صغيرة، ثم تُضخِّمه التفاعلات حتى يصبح الصوت الأعلى، ويترك أثره في كيمياء الحياة.