الأسوأ من «كورونا»
آخر تحديث GMT 22:39:59
 فلسطين اليوم -

الأسوأ من «كورونا»

 فلسطين اليوم -

الأسوأ من «كورونا»

طلال عوكل
بقلم : طلال عوكل

ليس لـ»كورونا» أن تفتخر أو تتباهى بأنها الأسوأ والأكثر قسوة على البشر من الاحتلال الإسرائيلي، ومن ضحايا الرأسمالية المتوحشة. صحيح أن «كورونا» فرضت قوانينها على سكان الأرض وأجبرتهم على تغيير سلوكهم اليومي ولكن إلى حين، لكنما ما حصدته ومن المتوقع أن تحصده لا يشكل سوى نسبة محدودة بالقياس لضحايا الحروب والصراعات والفقر والتخلف.

«كورونا» لم ترغم الناس على التشرد والهجرة والتفكك الاجتماعي وانتشار الرذيلة وتفكك منظومة القيم، فالناس مضطرون للتلاحم الاجتماعي في محاجرهم يأكلون ويشربون ويعيدون صياغة العلاقات المشتركة التي بددتها شروط العمل القاسي بحثاً عن لقمة العيش واضطهاد الأنظمة السياسية المستبدة على حقوق وحريات البشر.

حتى الآن، تصيب «كورونا» نحو مليونين وربع المليون إنسان، وقضى بسببها ما يقرب من مئة وستين ألفاً وعدد المتعافين يصل إلى ثلاثة أضعاف المتوفين. ماذا عن الاحتلال الإسرائيلي الذي أسقط مئات آلاف الشهداء وأكثر منهم من الجرحى والذي يتبع سياسة الباب الدوار في التعامل مع الإنسان الفلسطيني، إذ لا يهبط عدد الأسرى في سجونه عن الخمسة آلاف.

منذ العام 1967 يكون مليون فلسطيني من سكان الضفة وغزة والقدس قد أدخلوا السجون الإسرائيلية بمعدل سبع عشرة حالة اعتقال يومياً. هذا يعني أن كل عائلة وكل بيت ذاق مرارة السجن والحرمان والتعذيب، وبعضها لأكثر من فرد في العائلة، أو لمرات عديدة لبعض أفرادها.

يعتقل الاحتلال الإسرائيلي المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة العام 1967 ويشرد نصف الشعب الفلسطيني في مخيمات الشتات والمهاجرين وهو يأسر الأرض ويحاول أن يسرق التاريخ والتراث على هذه الأرض. نحو ثلاثة آلاف وأربعمائة أسير محكوم عليهم والبقية قيد الاعتقال الإداري أو التحقيق القاسي، ومن هؤلاء مئتا طفل أسير تقل أعمارهم عن سبعة عشر عاماً، تتجاهل إسرائيل كل قوانين الدنيا بشأن كيفية التعامل معهم ولا يكون لديها أي فارق بينهم وبين الكبار.

تحتفظ السجون الإسرائيلية بواحدة وأربعين أسيرةً بينهن حوامل وقاصرات ومصابات لا يحظين بالحد الأدنى من الرعاية الطبية أو الغذاء الصحي أو الزيارات او المعاملة الإنسانية. أما عن عدد الأسرى المرضى فيتجاوز السبعمائة أسير لا يتلقون الحد الأدنى من الرعاية الصحية، وقد أصيب عدد كبير منهم بعاهات وأمراض مزمنة تعرضوا لها داخل السجون، والمؤشرات عديدة ومتكررة التي تتهم السلطات الإسرائيلية بأنها تتعامل معهم كفئران تجارب.

غرف الاحتجاز تفتقر إلى التهوية وكثرة عدد النزلاء، تماماً كما هو وضع المدارس في قطاع غزة لجهة كثافة الاستيعاب في الغرفة الواحدة. هذا يعني أن «كورونا» إذا تسللت إلى أي سجن أو أي غرفة فإنها من المتوقع أن تنتشر كما النار في الهشيم وتحصد المزيد من الأرواح ليضافوا إلى مئتين واثنين وعشرين أسيراً استشهدوا داخل السجون منذ العام 67، إما بسبب المرض والإهمال الطبي وإما تحت التعذيب.

لم يكن الناس في الأراضي المحتلة بحاجة لـ»كورونا» أو غيرها التي تفرض عليهم الحجر حتى يشعروا بمعاناة الأسرى الذين أصبحت قضيتهم ومعاناتهم ذات طابع اجتماعي شامل وأصبحت مصابا جللا لكل المجتمع الفلسطيني. يزداد الوضع سوءاً بالنسبة للأسرى ليس بسبب منع الزيارات والتواصل مع أهاليهم في زمن «كورونا»، ذلك أن الأسوأ ناتج عن سياسة الحكومة التي يديرها نتنياهو الذي يحاول جاهداً توظيف «كورونا» لإنقاذ نفسه والمتاجرة بمعاناة الأسرى للضغط على الفلسطينيين من أجل أربعة أسرى إسرائيليين قد يكون بعضهم جثثاً.

تظل سياسة الاعتقال والتعذيب جزءا أصيلاً من سياسة وطبيعة الاحتلال، حتى لو تم التوصل إلى صفقة تبادل، إذ سيعود لملء سجونه الثلاثة وعشرين بأسرى جدد أو قدامى كما فعل مع محرري صفقة شاليت، حيث أعاد اعتقال نحو ستة وأربعين منهم بأمل استخدامهم مجددا لتقليص حجم الثمن الذي سيدفعه في أي صفقة تبادل جديدة.

في تعامله مع الأسرى الفلسطينيين، لا يفارق الاحتلال طبيعته الإجرامية والعنصرية التي تتجاوز كل قوانين وأعراف الدنيا ويتصرف على أنه فوق القانون وكل القوانين الإنسانية التي عرفتها وتعرفها البشرية.
بالرغم من ذلك فإن تجربة الاحتلال الطويلة في التعامل مع الأسرى لا تشير إلى نجاحه في إحباط الفلسطينيين وقتل روحهم الكفاحية، فمن يسوم منهم عذاب السجن تتضاعف قناعاته وإرادته في تخليص الشعب الفلسطيني من وباء الاحتلال.

لقد أكدت الحركة الأسيرة على مدار تاريخها أنها عصية على الكسر أو الترويض، وكانت من داخل السجون تقود النضال الوطني الفلسطيني وتعبر عن صمود شعبها وتمكسه الحازم والعميق بحقوقه الوطنية وبحتمية الانتصار. لقد أطلق الرئيس محمود عباس في يوم الأسير وعداً بأنه لا يمكن التوقيع على أي تسوية بإنهاء الصراع دون تبييض السجون الإسرائيلية وتحرير كل الأسرى. وعد الرئيس لا يعني أن ثمة مراهنة على إمكانية التوصل إلى سلام نهائي ولا يعني أيضاً اليأس من إمكانية تحريرهم بقدر ما أنه يعكس إصرار الشعب الفلسطيني وقيادته على تحريرهم.

قد يهمك أيضا :  

 حول الاستثمار البشع للكوارث

"أميركا أولاً" أم أميركا فقط ؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأسوأ من «كورونا» الأسوأ من «كورونا»



GMT 14:39 2023 الخميس ,09 آذار/ مارس

007 بالمؤنث

GMT 14:37 2023 الخميس ,09 آذار/ مارس

هل هي نهاية الخلاف السعودي ـ الأميركي؟

GMT 14:31 2023 الخميس ,09 آذار/ مارس

الجنرال زلزال في سباق أنقرة إلى القصر

GMT 03:38 2023 السبت ,04 آذار/ مارس

في حق مجتمع بكامله

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 08:30 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"العقرب" في كانون الأول 2019

GMT 08:05 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 14:01 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 10:29 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

تكتشف اليوم خيوط مؤامرة تحاك ضدك في العمل

GMT 02:41 2025 الخميس ,15 أيار / مايو

حظك اليوم برج الثور الخميس 15 مايو/ أيار 2025

GMT 11:57 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 07:42 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

تحتاج إلى الانتهاء من العديد من الأمور اليوم

GMT 09:10 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

فساتين زفاف إسبانية لعروس 2021 تعرف عليها

GMT 12:49 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على أبرز مقاهي ومطاعم دبي التي "لا تنام"

GMT 10:37 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

"ميسي" يحقق الهاتريك رقم 43 في تاريخه مع برشلونة
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday