بقلم : سليمان جودة
مما سوف يظل محسوباً فى ميزان نبيل فهمى، أمين عام جامعة الدول العربية، أنه عندما زار لبنان لم يشأ أن يتوقف عند حدود لقاء الرؤساء الثلاثة هناك، ثم يعود غانماً إلى القاهرة كما اعتاد كل الضيوف الرسميين الذين سبقوه إلى بيروت.
فلقد جرت العادة السياسية على أن يذهب الضيف الرسمى إلى لقاء مع رئيس الجمهورية فى قصر بعبدا، ومن بعده رئيس مجلس الوزراء، ثم رئيس مجلس النواب.. فهؤلاء هُم الرؤساء الثلاثة كما يسمونهم فى لبنان.. وهؤلاء هُم واجهة لبنان الرسمية، ولا أحد سوف يلوم ضيفاً رسمياً التقاهم ولم يتجاوزهم إلى مكان آخر فى لبنان.
ولكن الأمين العام تجاوز ذلك كله، وتوجه إلى الجنوب اللبنانى ترافقه وزيرة الشؤون الاجتماعية، وأحد قادة الجيش اللبنانى، وقام بجولة بالقرب من الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وهى منطقة أعرفها جيداً لأنى زرتها من قبل وتجولت فيها، ورأيت بوابة فاطمة على الحدود هناك رأى العين، وكذلك رأيت العربات العسكرية الإسرائيلية تمر على الجانب الآخر من الحدود.
الفكرة الأهم فى زيارة الأمين العام إلى الجنوب، أنها رسالة سياسية مزدوجة فى اتجاهين اثنين على السواء.
هى رسالة سياسية إلى إسرائيل التى تحتل جانباً من الأراضى فى الجنوب، وتعربد فيه طول الوقت، وترفض أن تغادر إلا بتجريد حزب الله من سلاحه !.. وعندما يتواجد الأمين العام للجامعة شخصياً فى الجنوب، فالتواجد فى حالته تواجد عربى جامع، لأن الأمين العام هو رأس الجامعة التى تضم ٢٢ دولة عربية فى عضويتها.. صحيح أن المسألة رمزية، ولكنها لا تخلو من معنى ولا من أثر، ولو بنى عليها فهمى لاحقاً لكان ذلك فى صالح لبنان فى العموم، ولو أسعفه العرب فى موقعه كما يسعف الأوربيون رئاسة الاتحاد الأوروبى فى بروكسل، فسوف يسعفون أنفسهم أولاً وعاشراً، قبل أن يُسعفوه هو كأمين عام.
والزيارة رسالة سياسية إلى إيران، أو بالأدق إلى حكومة المرشد فى طهران، لأن الجنوب اللبنانى هو للأسف ملعب إيرانى تلعب فيه حكومة المرشد، وهو كما نعرف ميدان يتواجد فيه حزب الله ويقيم، والحزب لا يُخفى طبيعة علاقته بإيران، ولا إيران تُخفى علاقتها معه!
حين كنت هناك أذهلنى أن أجد صور المرشد الإيرانى مُعلقة فى الشوارع، وسألت نفسى عن دواعى ذلك فى بلد عربى لحماً ودماً.. فالطبيعى أن أرى صورة رئيس الجمهورية مثلاً.. أما أن تملأ صور المرشد الشوارع فهذا ما لم أهضمه، أو أفهمه، أو أستوعبه. ولذلك كانت زيارة الأمين العام إشارة بمعنى من المعانى إلى عربية الجنوب اللبنانى، ثم إشارة إلى أن عربيته لا فصال فيها ولا مساومة عليها، حتى ولو بقى الحزب فى الجنوب ألف سنة.