عن الفرقة الناجية
آخر تحديث GMT 08:54:07
 فلسطين اليوم -

عن الفرقة الناجية

 فلسطين اليوم -

عن الفرقة الناجية

عبد الغني سلامة
بقلم : عبد الغني سلامة

في حديث منسوب للرسول: «تَفَرَّقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِين فِرْقَةً. وَالنَّصَارَى مِثْل ذَلِكَ. وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً». وفي رواية أخرى ثمة إضافة: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ»، وفي رواية ثالثة: «كُلُّهَا فِي الجنّة إِلا وَاحِدَةً».. في كل تخريجات الحديث يرد اسم الراوي «محمد بن علقمة»، وهو راوٍ مجروح عند علماء الحديث، كما يرد ذكر «أزهر بن عبدالله الحرازي»، وهذا قال عنه الذهبي إنه ناصبي، أي يسب الأمام علي.. وبالتالي نحن أمام سند ضعيف. ثم إن الحديث آحاد (هذا إذا ثبتت صحته)، وأحاديث الآحاد لا تبنى عليها عقيدة، وغير ملزمة في القضايا الخطيرة والكبرى، حسب ما يقول الفقهاء.

تعالوا نناقش المتن؛ سنجد بدايةً أن الحديث يتضمن نبوءة مستقبلية، والرسول لا يعلم الغيب، ولم يكن من معجزاته علم الغيب («لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» - النمل 65).. ولكن ربما توقع الرسول (من منطلق فكري وسياسي وبحكم المنطق) تفرق الأمة من بعده، أو اختلافها فيما بينها؛ إذ إنّ اتحاد أمة تتبع دينا واحدا كفرقة واحدة أمر مستحيل، بحكم التجربة الإنسانية، وهذا ليس علماً بالغيب.. فلو كانت نبوءة لصدقت، لكن الواقع يقول شيئا مختلفا تماما..

وفي مفهوم التفرق، لم يفترق المسلمون على أسس عقائدية، بل تفرقوا لأهداف سياسية، ودوافع قبلية، واقتصادية، وللاستئثار بالسلطة.. وهذا أمر طبيعي ومتوقع من أمة تعدادها بالملايين، وعلى فترة امتدت لأكثر من أربعة عشر قرنا.. ولا يعقل أن تكون هذه كافية لدخول النار، أو للخروج من الإسلام. من ناحية عدد الفرق الإسلامية؛ نجدها عند الأشعري تتعدى المائة، وعند الشهرستاني 76، وعند ابن حزم والقاضي عبد الجبار خمسة، وعند الخوارزمي سبعة، وعند الملطي أربعة.. د. محمد عمارة عدّد في كتابه «تيارات الفكر الإسلامي» 198 فرقة مسلمة.. بمعنى أن عدد الجماعات أو الفرق أو التيارات، ومهما اختلفت المعايير لم يبلغ رقم 73 ولا مرة عبر تاريخنا الممتد.

وفي النص المنسوب للرسول تصريح واضح بأن «اليهود افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى كذلك»؛ ومعلوم لكل دارسي الديانتين اليهودية والمسيحية، والباحثين في تاريخهما أنَّ لا اليهود ولا النصارى افترقوا في أي حقبة من حقب تاريخهم إلى اثنتين وسبعين فرقة.. ولم يقتربوا حتى من هذا الرقم.. وبما أن الرسول لا ينطق عن الهوى، فمن غير المعقول أن يذكر معلومة خاطئة كليا (عدد فرق اليهود والنصارى)، خاصة أن الرواية قالت «افترقت اليهود» بصيغة الماضي، أو يتنبأ بأمرٍ لم يحدث أبداً (عدد الفرق المسلمة).. والرسول بحنوه وحبه لأمته، وحرصه على مستقبلهم، لا يمكن أن يترك لهم حديثا يحمل هذا المعنى الرهيب؛ أي أن أغلب أمته داخلون النار لا محالة، وأن فرقة واحدة هي الناجية، والله أعلم من هي..

إذن، نحن أمام حديث ضعيف، سندا ومتنا.. وهذا يعطينا مساحة أكبر لمناقشة أثر وتداعيات الفكرة الخطيرة التي وردت فيه.
الاختلاف بين الناس سُـنّة كونية، حتى بين أتباع الدين الواحد، فكلما زاد عدد أتباعه، ومـرَّ عليهم زمن أطول، ظهرت الاختلافات والاجتهادات، وبالتالي الفرق والتيارات.. وفي العصر المبكر للإسلام ظهرت الفرق الفكرية والعقائدية والفلسفية خاصة بعد موت الصحابة، واتساع رقعة الدولة، وانفتاح المسلمين على ثقافات وحضارات جديدة، واختلاطهم بشعوب دخلت الإسلام.. ولا شك في أن كل جماعة ستدعي أنها الأصح، وصاحبة الحقيقة؛ ورغم ذلك، لم يصل الأمر بينهم إلى العداوة والاحتراب (باستثناء الخوارج) ولم تنشأ ذهنية «الحق المطلق»، و»تكفير» الفرق الأخرى، ووصمها بالفرق الهالكة إلا في نهاية العصر العباسي الأول، حين دخلت الأمة في مرحلة التراجع، واستفحلت فيها الخلافات السياسية، والصراع على السلطة.

حينها ظهر جيل من السلفيين كانت غايتهم (كما زعموا) أن يعيدوا التصور الأول للعقيدة الإسلامية على مذهب السلف الصالح، على قاعدة «الفرقة الناجية»، مع اتخاذها منحى جديداً؛ حيث أصبح نفي الفرق الأخرى وتكفير العلماء، وتكفير الآخرين دأبا ونهجا، للذين اعتقدوا أنهم وحدهم يعبدون الله على العقيدة الصحيحة؛ فأساءوا بذلك للإسلام.

اليوم، بوسع أي باحث تعداد عشرات الجماعات والتيارات والأحزاب الإسلامية، التي تختلف فيما بينها في الكثير من القضايا العقائدية، والفكرية، والفلسفية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفقهية.. وفي نظرتها للحياة، وللناس، وللطوائف، والأديان، وللمرأة، ولنظام الحكم، وكيفية التعاطي مع الواقع.. وتختلف بدرجة تشددها، أو انفتاحها.. وتختلف بمرجعياتها الدينية والسياسية، وأجنداتها وأولوياتها.

سنجد المتزمتين، والسلفيين، والوهابيين، وسنجد دعاة الإصلاح والتجديد.. سنجد الغارقين في التاريخ، وسنجد المقبلين على المستقبل.. وسنجد من يطالب بعودة الفتوحات والجزية والسبايا والغنائم، مقابل المنفتحين على العالم، والحضارة الإنسانية.. سنجد من يريد الخلافة، ومن يريد دولة مدنية.. سنجد من يرى الإسلام دينا ودولة وسيفا، ومن يراه روحانيا صوفيا..

سنجد الأزهر، والزيتونة، والقدس، ومكة، وقم، واسطنبول (وأخيراً انضمت الدوحة) من تعتبر نفسها مرجعيات فقهية وأيديولوجية للإسلام، وممثلة للمسلمين..
سنجد النموذج الأردوغاني والماليزي والإيراني والسعودي والتونسي.. وسنجد من يريد الديمقراطية، ومن يعتبرها حراما شرعا.. من يرى الإسلام دين الاشتراكية، ومن يراه رأسماليا، ومن يعتبره نموذجا اقتصاديا فريدا، ومن يراه غير قادر على مواكبة تعقيدات الاقتصاد الحديث..

سنجد الإخوان المسلمين، وحزب النور، وحزب التحرير، والنهضة، والجهاد، والقاعدة، وطالبان، وداعش، والنصرة، وبوكو حرام، وعسكر طيبة..
سنجد القرضاوي، والعريفي، وبرهامي، ووجدي غنيم.. مقابل شحرور، وأركون، وجمال البنا، وزكريا أوزون، والبحيري، والترابي، والغنوشي.. سنجد الفقهاء مقابل الفلاسفة، سنجد الشافعي وابن تيمية والغزالي وابن الجوزية.. مقابل التبريزي وابن عربي وابن رشد والرومي والحلاج..

سنجد إسلاما نموذجيا مثاليا متكاملا في الكتب والأدبيات، وسنجد على أرض الواقع عكس ذلك كليا..
سنجد تاريخا كله مجد وفتوحات وانتصارات وعلماء.. وسنجد تاريخا كله حروب وفتن وصراعات وقمع وفساد..
باختصار، نحن أمام نماذج وصور متعدد للإسلام، وأمام فِرَق وتيارات وجماعات متباينة في شتى المواقف.. وكل شخص ينتمي لطائفة أو جماعة سيعتقد أنه على الحق، لكنه توصل إلى هذه القناعة بالوراثة فقط.. وليس لأحد الحق أن يزعم أنه ممثل الإسلام الصحيح، وأنه مندوب الله على الأرض.. ولا يحق لأحد تكفير الآخرين، ووصمهم بالانحراف والضلالة.
الإسلام دين مرن، ويستوعب كل هذه الفروقات.

قد يهمك أيضا :  

  ابن رشد، نظرة مختلفة

عن هذه المسلسلات

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن الفرقة الناجية عن الفرقة الناجية



GMT 14:39 2023 الخميس ,09 آذار/ مارس

007 بالمؤنث

GMT 14:37 2023 الخميس ,09 آذار/ مارس

هل هي نهاية الخلاف السعودي ـ الأميركي؟

GMT 14:31 2023 الخميس ,09 آذار/ مارس

الجنرال زلزال في سباق أنقرة إلى القصر

GMT 03:38 2023 السبت ,04 آذار/ مارس

في حق مجتمع بكامله

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 08:30 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"العقرب" في كانون الأول 2019

GMT 08:05 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 14:01 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 10:29 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

تكتشف اليوم خيوط مؤامرة تحاك ضدك في العمل

GMT 02:41 2025 الخميس ,15 أيار / مايو

حظك اليوم برج الثور الخميس 15 مايو/ أيار 2025

GMT 11:57 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 07:42 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

تحتاج إلى الانتهاء من العديد من الأمور اليوم

GMT 09:10 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

فساتين زفاف إسبانية لعروس 2021 تعرف عليها

GMT 12:49 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على أبرز مقاهي ومطاعم دبي التي "لا تنام"

GMT 10:37 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

"ميسي" يحقق الهاتريك رقم 43 في تاريخه مع برشلونة
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday