لكنْ متى استقلّ العراق
آخر تحديث GMT 03:07:21
 فلسطين اليوم -
أخر الأخبار

لكنْ متى استقلّ العراق؟

 فلسطين اليوم -

لكنْ متى استقلّ العراق

بقلم :حازم صاغية

نشرت «الشرق الأوسط»، السبت الماضي، رسالة من بغداد حملت عنوان «اليوم الوطنيّ يستعيد جدل الاستقلال في العراق».

و«جدل الاستقلال» تعبير يبدو لوهلة غريباً. فالمألوف، لا سيّما في مجتمعاتنا، أن يكون الاستقلال وعيده مناسبتين جماعيّتين للاحتفال وإعلان الاتّفاق والوئام. وقد تكون المبالغة الاحتفاليّة التي يُعمل بها نوعاً من التغطية على ضعف الإجماع الفعليّ حيال الحدث، بحيث يصار إلى نفخ «الأخوّة» لحجب النظر عن تنازع «الأخْوة» الفعليّ، أو لإيهام النفس بأنّ الأخوّة المفترضة أقوى من ذاك التنازع.

لكنّ ما يقوله «جدل الاستقلال» واستعادته مرّة بعد مرّة أنّ هذا الميل لم يعد حاجة في العراق، بمعنى أنّ الإلحاح على إشهار الخلاف صار أقوى كثيراً من تقليد تمويهه والتحايل عليه.

وحين يمتدّ ذاك الخلاف المعلن إلى لحظة الولادة السياسيّة، أي الاستقلال، فمعنى ذلك أنّ كلّ ما ينجم عن تلك الولادة سيكون موضوع خلاف وتضارب.

فما هو متعارَف عليه أنّ العراق استقلّ في 3 أكتوبر (تشرين الأوّل) 1932، وكان بهذا أوّل بلد عربيّ يستقلّ وينتسب إلى «عصبة الأمم». وبفعله هذا حظي بالاعتراف الدوليّ «باكتمال مقومات الدولة العراقية الحديثة، من حكومة مستقلة، وحدود ثابتة، ومصادر مالية، وقضاء مستقل، والتزام دولي» كما يقول القانونيّ العراقيّ علي التميمي.

مع هذا، وباستعادة الرسالة الصحافيّة التي كتبها الزميل حمزة مصطفى، هناك ثلاثة مزاعم كبرى تخالف ذاك التعيين للاستقلال. فحزب البعث الذي حكم البلد بين 1968 و2003 يتمسّك بيوم استيلائه على السلطة في 17 يوليو (تمّوز) 1968 بوصفه يوم الاستقلال الحقّ.

والشيء نفسه يصحّ في تيّارات يساريّة تربط الاستقلال ربطاً حصريّاً بيوم 14 يوليو (تمّوز) 1958، حين أطاح انقلاب عسكريّ قاده عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بالنظام الملكيّ وأقام الجمهوريّة.

وكان بعض معارضي صدّام حسين، الذين وصلوا إلى السلطة في أعقاب إطاحته، قد اقترحوا أن يكون يوم سقوط نظامه، في 9 أبريل (نيسان) 2003، هو عيد الاستقلال.

والحال أنّ الفارق بين خيار 1932 والخيارات الأخرى ينطوي على أوجه ثلاثة:

أوّلها يتّصل بالتواضع. ذاك أنّ الذين ارتبط بهم نيل الاستقلال الأصليّ لم يقولوا إنّهم خلقوا العراق من صفر، وأنّ وجود العراق السياسيّ كان مشروطاً بوجودهم. أمّا أصحاب الخيارات الأخرى والآخذون برواياتهم، وهم عقائديّون على هذا النحو أو ذاك، فيرون في انتصار جماعاتهم يوم انتقال البلد من العدم إلى الصيرورة، ومن اللاوجود السياسيّ إلى النشأة السياسيّة.

والثاني يتّصل بنقص استقلال 1932، تبعاً لربطه بالمعاهدة العراقيّة – البريطانيّة التي وُقّعت قبل عامين. وهنا يتبلور الافتراق بين نهجين، واحد مفاده الانفتاح على مبدأ التدرّج عملاً بمفهوم الانتداب الذي يُفترض به «تأهيل الشعوب الخاضعة له لتمكينها من حكم نفسها بنفسها مستقبلاً». وهذه لغة تبدو اليوم أبويّة وغير مستحَبّة، لكنّ المؤكّد، استناداً إلى تاريخ العراق الحديث وبضعة بلدان أخرى، أنّ التجربة عاندت الحجج التي يرفعها رافضو التدرّج من دعاة الاستقلال الكامل والفوريّ.

أمّا الثالث فيطال مدى الاكتراث بالعالم كعنصر لا بدّ منه لبلوغ الاستقلال ولتعزيزه. فالذين ارتبطت جهودهم باستقلال 1932 عرفوا أنّ اعتراف العالم هو ما يمنح دولتهم الناشئة وجودها القانونيّ أمام المجتمع الدوليّ. لكنّهم أدركوا أيضاً أنّ ذاك الاعتراف هو ما يتيح لها توقيع المعاهدات والاتفاقيّات على أنواعها، والانضمام إلى المنظّمات الدوليّة، وتبادل التمثيل الدبلوماسيّ وما يستتبعه من إقامة سفارات وقنصليّات، وهذا ناهيك عن تحسين فرص الدولة الجديدة في مواجهتها احتمالات الغزو والضمّ، وتعزيز شروطها في الانضمام إلى النظام الماليّ العالميّ والحصول على قروض واستثمارات... لا بل يعمل الانتساب إلى المؤسّسات الدوليّة على تمكين القوى الوطنيّة من المطالبة بالانتقال من استقلال ناقص إلى استقلال كامل.

أمّا أصحاب الخيارات الأخرى فلا يعبأون كثيراً بهذا العامل، بل هم غالباً ما يؤكّدون على تعارضهم الصارخ معه والاستعاضة عنه بعلاقة مع دولة أو دولتين يتقاربون آيديولوجيّاً معهما.

لقد نشأ العراق الحديث، مثله مثل معظم بلداننا، بالتوازي مع تفتّت داخليّ وتباين في النظر إلى العالم. وفي بلاد الرافدين تحديداً، كانت «ثورة العشرين» هي التعبير عن ذينك التفاوت والتباين اللذين لا ينفع الاستقلال، كائناً ما كان، من غير تذليلهما. والراهن أنّ المشروع الذي عبّر عنه استقلال 1932 كان مسكوناً بهذه المهمّة بعدما قدّمت «الثورة» المذكورة شطراً من الشعب بوصفه الطرف المستحوذ عليها، وشطراً آخر بوصفه المستفيد من هزيمتها. أمّا أصحاب الخيارات الأخرى فلم يتأدّ عن خياراتهم تلك سوى تعميق التفاوت والتباين داخل الشعب الذي يُفترض أنّه واحد. ولن يكون من الصعب على من ينقّب قليلاً في المفاهيم التي تبدو حياديّة حيال الطوائف والجماعات، أو متعالية عليها، أن يكتشف أنّها، في مختبرها العراقيّ، تمتلك دلالات أخرى. وهذا كلّه قبل الإشارة إلى الإضافة النوعيّة التي تبرّعت بها ثورة 1979 الإيرانيّة ونظامها في تفكيك الشعب العراقيّ وتمويه استقلاله.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لكنْ متى استقلّ العراق لكنْ متى استقلّ العراق



GMT 02:01 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أقوى سلاح

GMT 01:58 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

هل نتحمّل 7 أكتوبر مرّةً أخرى؟

GMT 01:56 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

عندما يتحوّل العرب ضحيّة لنظرية المؤامرة…

GMT 01:55 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

جرأة الملك محمد السادس

GMT 01:54 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

معركة مصيريّة لإيران في العراق

GMT 01:52 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

“التّأجيل”… الاسم الآخر لإلغاء الانتخابات الفلسطينيّة

GMT 01:50 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التصالح مع الموت

GMT 01:48 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

في ذكرى طوفان السنوار

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 07:56 2019 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

كفتة الدجاج المشوية

GMT 02:11 2014 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

"DFSK" الصينية تطرح السيارة "K01" في السوق المصري

GMT 06:40 2019 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على خطوات تنظيف قماش أرائك "الصالون"

GMT 14:57 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

نيابة الاحتلال تطالب المحكمة بإغلاق باب الرحمة

GMT 17:21 2019 الأربعاء ,20 شباط / فبراير

أنخيل دي ماريا يُفضّل ميسي على كريستيانو رونالدو

GMT 01:15 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

تعرّف على أكثر فنادق لوس أنجلوس رومانسية و جمالاً
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday